السعيد شنوقة

141

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

البصر ونجد في ذلك تمدّحا راجعا إلى ذاته ، وما كان من نفيه تمدّحا راجعا إلى ذاته كان إثباته نقصا والنقائص غير جائزة على الله تعالى في حال من الأحوال » « 1 » . إن هذا يمثل ردهم على القائلين بإثبات رؤية الله كأهل السنة الذين أجمعوا على أن الله تعالى يكون مرئيا للمؤمنين في الآخرة ، وجوّزوا رؤيته في كل حال ولكل حي من طريق العقل ، وأوجبوا رؤيته للمؤمنين في الآخرة بخاصة من طريق الخبر أو دليل السماع « 2 » ، غير أن قولهم بجواز رؤية الله عز وجل لم يكن ليبنوه على القوة الموضوعة في العين ، وإنما بنوه على قوة موهوبة من الله . وقال الشهرستاني « 3 » : ومن مذهب الأشعري أن كل موجود يصح أن يرى وهو دليل عقلي ، وبنى على السماع بأن المؤمنين يرونه في الآخرة بدليل قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 22 ، 23 ] وغيرها من الآيات والأخبار ، ولم يجوّز أن تتعلق به الرؤية على جهة ومكان وصورة مقابلة واتصال شعاع أو على سبيل ، فإن كل ذلك مستحيل . وما ينبغي الانتباه إليه هاهنا أن الأشاعرة قد اقتربوا بموقفهم هذا الذي نفى الجسمية من خلال الرؤية بلا كيف مع أغلبية المعتزلة القائلين بأن الرؤية هي العلم « 4 » . أثبتها كذلك أبو الهذيل العلّاف في جوابه عن تحليلات الخصوم لقوله تعالى : أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] المقرّة لجواز رؤية البارئ جل وعز . قال : الرؤية هاهنا بمعنى العلم . ولا اعتماد عليه ، لأن الرؤية إنما تكون بمعنى العلم متى تجرّدت ، فأما إذا قارنها النظر فلا تكون بمعنى العلم » « 5 » . وردّ المعتزلة بأن النظر في قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 22 ، 23 ] لا يحتمل الرؤية لأنهم تأوّلوا النظر على أنه الانتظار أي انتظار النعيم إلى جانب المعاني الأخرى التي لا تجعل معناه مقتصرا على الرؤية كالنظر الذي هو تقليب الحدقة الصحيحة حيال المرئي لرؤيته ، وكالنظر الذي هو التعطف والرحمة والنظر الذي هو الفكر والتأمل . ولما امتنعت الرؤية في هذه المعاني تأوله بعضهم على معنى الانتظار للثواب .

--> ( 1 ) شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 162 . ( 2 ) انظر البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 335 ، 336 . ( 3 ) انظر الملل والنحل ، ج 1 ، ص 112 - 113 . ( 4 ) نظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص 289 . ( 5 ) القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 187 .